صديق الحسيني القنوجي البخاري

441

فتح البيان في مقاصد القرآن

يعقوب ؛ والمعنى ما كان الدخول يغني عنهم من جهة اللّه شيئا ولكنه قضى ذلك الدخول حاجة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته . وَإِنَّهُ أي وإن يعقوب لَذُو عِلْمٍ جليل لِما عَلَّمْناهُ أي لتعليمنا بالوحي ونصب الأدلة حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر وأن التدبير له حظ من التأثير حتى يتبين الخلل في رأيه عند تخلف الأثر ، وعلم أن ما قضاه اللّه سبحانه فهو كائن لا محالة وقيل غير ذلك ، وهذا أولى ، وفي تأكيد الجملة بأن واللام وتنكير العلم وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ بذلك كما ينبغي ، وقيل لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه وإن كان لا يغني من القدر شيئا والسياق يدفعه ، وقيل المراد بأكثر الناس المشركون . وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ أي في محل حكمه آوى ضم إِلَيْهِ أَخاهُ بنيامين ، قيل إنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل ، فبقي أخوه منفردا فضمه إليه قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف قال له ذلك سرا من دون أن يطلع عليه إخوته . فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تحزن ، والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس والضر والشدة بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها ، وقيل إنه لم يخبره بأنه يوسف عليه السلام بل قال له إني أنا أخوك مكان أخيك يوسف عليه السلام فلا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسدا وبغيا . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 70 إلى 75 ] فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( 70 ) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ ( 71 ) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ( 72 ) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ( 73 ) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ( 74 ) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) وقيل إنه أخبره بما سيدبره معهم من جعل السقاية في رحله فقال لا أبالي فدس الصاع في رحله وهو المراد بالسقاية في قوله فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ وأصلها المشربة التي كان الملك يشرب بها جعلت صاعا يكال به . وقيل كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحب ، وقيل كانت من فضة ، وقيل من ذهب ، وقيل من زبرجد ، وقيل مرصعة بالجوهر ؛ وقيل غير ذلك ، وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل . وعبر بالفاء هنا إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم لبلادهم لأن الغرض منه قد حصل ، وقد عرفت حالهم بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم .